ابن رشد

207

تهافت التهافت

وأما على مذهب الأشعرية فليس له أصلا ماهية ولا ذات ، لأن وجود ذات لا ماهية لها ولا هي ماهية لا يفهم ، وإن كان قد ذهب بعض الأشعرية إلى أن له ماهية خاصة بها تتميز الذات عن سائر الموجودات ، وهذه الماهية عند الصوفية هي التي يدل عليها اسم اللّه الأعظم . وقوله : ثم يقال لهؤلاء : لم تتخلصوا من الكثرة مع الاقتحام لهذه المخازي ، فإنا نقول علمه عين ذاته ، أو غير ذاته ، فإن قلتم أنه غيره فقد جاءت الكثرة ، وإن قلتم أنه عينه فما الفصل بينكم وبين القائل : إن علم الإنسان بذاته عين ذاته . كلام في غاية الركاكة ، والمتكلم به أحق إنسان بالخزي والافتضاح . فإن هذا هو إلزام أن يكون الكامل المنزه عن صفات الحدوث والتغير والنقص على صفة الناقص المتغير ، وذلك أن الإنسان من جهة أنه شيء مركب من محل وعلم موجود في ذلك المحل ، لزم أن يكون علمه غير ذاته بوجه ما كما سلف ، إذ كان المحل هو السبب في تغاير العلم والذات . ولما كان الإنسان إنما كان إنسانا وكان أشرف من جميع الموجودات المحسوسة بالعقل المقترن إلى ذاته لا بذاته وجب أن يكون ما هو بذاته عقل هو أشرف من الموجودات ، وأن يكون منزها عن النقص الموجود في عقل الإنسان . وقوله : فإن قيل : ذاته عقل وعلم فليس له ذات ثم علم قائم بها - قلنا : الحماقة ظاهرة في هذا الكلام فإن العلم صفة وعرض يستدعي موصوفا ، وقول القائل : هو في ذاته عقل وعلم كقوله هو قدرة واردة وهو قائم بنفسه . ولو قيل به : فهو كقول القائل في سواد وبياض : أنه قائم بنفسه وفي كمية وتربيع وتثليث أنه قائم بنفسه ، وكذا في كل الأعراض . إلى قوله وكذلك سائر الصفات . قلت : الشرارة والتمويه في قوله أظهر . فإنه قد تبين أن من الصفات ما هو أحق باسم الجوهرية من الجوهر القائم بذاته ، وهي الصفة التي من قبلها صار الجوهر القائم بذاته قائما بذاته ، وذلك أنه قد تبين أن المحل لهذه الصفة ليس شيئا قائما بذاته ، ولا موجودا بالفعل ، بل إنما وجد له القيام بنفسه ، والوجود بالفعل من قبل هذه الصفة وهي في وجودها على الجهة المقابلة للأعراض ، وإن كان يظهر من أمر بعضها أنها تحتاج إلى المحل في الأمور المتغيرة لأن الأصل في الأعراض أن تقوم بغيرها ، والأصل في الماهيات أن تقوم بذاتها إلا ما عرض هنا للأشياء الكائنة الفاسدة من كون ماهياتها محتاجة